دول القرن الأفريقي: دورها وتأثيرها في القضية الصومالية (الجزء الأول)

عبد الله الفاتح

آخر تحديث: 29/04/2018

[supsystic-social-sharing id="1"]

لقراءة التقرير أو تنزيله بصيغة بي دي اف انقر هنا
التقرير الأسبوعي
الرقم 29

ملخـص:
يحـاول هـذا التقـرير تسليـط الضـوء على دور دول القـرن الإفـريقي في الصـومال، وذلك منـذ سقـوط الحكـومة المركـزية في مطلـع التسعينـات من القـرن العشـرين، ودخـول البـلاد في سلسـلة لا متنـاهية من الحـروب والصـراعات الداخليـة تمـددت تداعيـاتها من إطـارها المحلـي، لتصبـح قضيـة دوليـة وإقليميـة مزمنـة.
ويتنـاول هـذا التقـربر ـ بالتحليـل والمناقـشة أهـم التفـاعلات الراهنـة لـدور دول الجـوار داخـل الصـومال، ومـدى تأثيـرها على مجـريات الأحـداث من جهـة وعلى مستقبـل الصـومال وخارطهـا الجيـوبولتيكيـة من جهـة أخـرى.
كمـا يهـدف هـذا التقـرير إلى رؤيـة مستقبليـة لمـآلات دور دول الجـوار ومـدى إمكانيـة تغييـره لصـالح الـدول الكبـرى والقـوى الصاعـدة الأخـرى، وذلك على ضـوء تصـاعد التـدافع الدولـي والصـراع في المنطقـة من أجـل النفـوذ والهيمنـة.
ولهـذا ينـاقـش التقـرير المحـاور الآتيـة مستخـدماً المنهـج التحليـلي الوصفـي:
 مدخـل تمهيـد: الاستعمـار الأوروبي وتقسيـم الصـومال.
 المحـور الأول: أهميـة الصـومال: الاستراتيجيـة والجيـوبولتيكيـة.
 المحـور الثاني: طبيعـة الأزمـة الصـومالية .. أبعـادها وارتبـاطاتها الإقليميـة والعالميـة.
 المحـور الثالث: طبيعـة الاهتمـام الدولي بالصـومال.
 المحـور الرابع: تفـاعل دول الجـوار ودورهـا حيـال النـزاع في الصـومال.
 المحـور الخامـس: رؤيـة مستقبليـة.
مدخل تمهيـدي
الاستعمـار الأوروبي وتقسيـم الصـومال
لقـد اكتـوت الصـومال بنيـران الاستعمـار منـذ زمـان بعيـد، حيـث تعـرضت لهجمـة استعمـارية شـرسة استخـدم فيهـا كـل أنواع الأسلحـة الماديـة والمعنـوية لإحـداث اهتـزاز في ثقـة الأمـة بمبـادئها الإسـلامية وقيمـها الحضـارية من أجـل إخضـاعها والنيـل من كرامتهـا وكبـريائهـا.
ورغـم ذلك كـله، تميزت حـركة المقاومـة والجهـاد ضـد القـوى الاستعمـارية في شـرق أفريقيـا بوجـه عـام، وفي بـلاد الصـومال على وجـه الخصـوص، بأنها أكثـر عمقـاً وأشـد صـلابة عـن غيـرها من حـركات المقاومـة والجهـاد في بقيـة أجـزاء القـارة الإفريقيـة الأخـرى، ولعـل ذلك يرجـع في المقـام الأول إلى أن هـذه المنطقـة عـرفت الإسـلام قبل غيـرها وشهـدت التحامات المسلميـن والمسيحييـن منـذ فجـر الدعـوة الإسـلامية( ).
في الربع الأخيـر من القـرن التاسـع عشـر، أخـذ هـذا الصـراع منحـاً تصعيـدياً حيـث تكالبت القـوى الاستعمارية الكبـرى على الصـومال لاخضـاعه بالقـوة المسلحـة وتقسيـمه لاحقـاً بيـن بريطـانيا وإيطاليـا وفرنسـا بالإضافـة إلى إثيـوبيـا التي استفـادت من عمليـات التقسيـم وقامت بحملـة توسعيـة على حسـاب جيـرانها.
وهكـذا بدأ عصـر قهـر الاستعمـار الأوروبي في الصـومال، ليواصـل الشعـب الصـومالي كفاحـاً طـويلاً من أجل استعادة حـريته واستقـلاله وتوحيـد أراضيـه المقسمـة( ).
عنـدما استقـل الاقليمـان الشمـالي (الصـومال البريطاني) والجنـوبي (الصـومالي الايطـالي) في عام 1960م، كونـا دولـة واحـدة تحت علم جمهـورية الصـومال، دخلـت الدولـة الوليـدة في صـراعات مع جيـرانها من أجـل تحـرير الأقاليـم الأخـرى ومنها إقليـم الصـومال الغـربي الذي اقتطعتـه بريطـانيـا ومنحتـه لإثيـوبيـا، وإقليـم (N.F.D) الذي منحتـه بريطـانيا لكينيـا.
وهكـذا أصبح شعـار الصـومال الكبيـر مدعاة لصـراع مستمـر بيـن الصـومال ودول الجـوار، مما أثـر سلبـاً على استقـرار وأمـن الدولـة الوليـدة( ).
أولاً: أهميـة الصـومال الاستراتيجيـة والجيـوبولتيكيـة.
تعتبـر الصـومال الدولـة الأكثـر أهميـة من الناحيـة الاستراتيجيـة بيـن دول منطقـة القـرن الإفريـقي ـ سـواء أكان الحـديث عن المنطقـة بمفهـومها التقليـدي الذي يضـم أربعـة دول فقـط، أو بمعناهـا الجيـوبولتيكي الواسـع الذي تدخـل في إطـاره دول أخـرى ذات المصـالح أو النـزاعات مـع دول القـرن الإفريـقي التقليـدية.
فالصـومال بلـد مترامي الأطـراف وتبلـغ مساحتهـا نحـو 637.657 كيلومتـر مربع، فيما يقـدر عدد سكـانها 12 مليـون نسمـة( ) وهي تتمتـع بموقـع استـراتيجـي في غايـة الأهميـة يجعـل منهـا دولـة تجمـع بيـن الهـويتيـن العربيـة والإفريـقية، وكـذلك تمتـلك أكبـر سـاحل على المحيـط الهنـدي، يزيـد مجمـوع طـوله على ثلاثـة آلاف كيلومتـر، وتتحكـم على أهـم طـرق المـلاحة البحـرية في المحيـط الهنـدي وخليـج عـدن ومـداخل الخليـج العربي وصـولاً إلى البحـر الأحمـر ومضيـق باب المنـدب( ).
ولا تقتصـر أهميـة الصـومال على اعتبـارات الموقـع الجغـرافي الفـريد فحـسب، وإنمـا تتعـداها للاعتبـارات الجيـوبولتيكيـة الأخـرى، نتيجـة لامتـلاكها ثـروات طبيعيـة كخامـات الحـديد والنحـاس والقصـدير والملـح، عـلاوة على ثـروات أخـرى تستخـدم في الصنـاعات الثقيلـة والنـووية مثـل اليورنيـوم، وقـد تم التأكـد أيضـاً من وجـود النفـط والغـاز الطبيـعي بكميـات تجـارية( ).
وإلى جـانب ذلك تمتـاز الصـومال بثـروات حيـوانية وسمكيـة وزراعيـة هائلـة، ولـذا تعـد من الـدول الرئيسـة في تصـدير اللحـوم ومشتقـات الألبـان بالإضـافة إلى المنتجـات الزراعيـة المختلفـة من الخضـروات والفـواكه كالمـوز والمنجـا والرتقـال وغيـرها.
ووفقـاً لهـذه المعطيـات أعـلاه، تتضـح جليـاً الأهميـة الكبيـرة للصـومال، وقـد ظلـت منـذ العهـود الاستعمـارية، تشكـل اهتمـاماً مركـزياً في أجنـدة صـانعي السيـاسات الخـارجية لدى القـوى الدوليـة الكبـرى، الأمـر الذي يؤكـد على أهميتهـا الجيـوبولتيكيـة وفاعليتهـا وحيـويتها السيـاسية والاقتصـادية والأمنيـة والعسكـرية( ).
ثانيـاً: الأزمـة الصـومالية وأبعـادها الإقليميـة والعالميـة.
o منظـور سـوسيـو تاريخـي:
تمثـل الأزمـة الصـومالية حالـة فريـدة من نوعيهـا في العـالم، لكـونها الحالـة الوحيـدة التي شهـدت انهيـاراً كامـلاً وممتـداً للدولـة منـذ سقـوط نظـام “محمـد سيـاد بري” في بـداية حقبـة التسعينـات من القـرن العشـرين، ودخـول البـلاد في سلسـلة لا متنـاهية من العنـف والصـراعات الداخليـة توالـت تداعيـاتها السيـاسية والأمنيـة على كافـة المستـويات والأصعـدة، وقـد أصـابت المراقبيـن بالكثيـر من الحيـرة والدهشـة( ).
ومـع فشـل مشـروع الدولـة الوطنيـة قدمـت الصـومال للعـالم نمـوذجاً حـياً للدول الفاشلـة استعصـت كـل الجهـود لمواجهتهـا، وقـد أصبحـت مثـل “صنـدوق باندورا” الذي انفتـح فخـرجت منـه مختلـف الآفات على الإقليـم، المتمثلـة بالتـدخل الأجنبـي بشتـى صـوره وأشكـاله ومشكـلات التطـرف والإرهـاب والقـرصنة البحـرية والجـريمة المنظمـة عـلاوة على أزمـات اللاجئيـن ودفـن النفايـات السامـة وانتشـار الأوبئـة والأمـراض وغيـرها( ).
وبالفعـل كانـت ملابسـات الأزمـة الصـومالية، مدعـاة للتفكيـر والتأمـل في دوافعهـا وأسبابهـا الحقيقيـة، وعنـد إعمـال مقاييـس المنطق والواقـع نلاحـظ أن أهميتهـا تنبـع ليـست باعتبـارها من أعقـد وأصعـب المشكـلات السيـاسية التي عـرفتها منطقـة القـرن الإفريـقي في تاريخهـا الحـديث فحسـب، بل من كـونها الحالـة الوحيـدة التي فشـلت معظـم أدوات تسـوية النـزاعات سـواء المفـاوضات والوسـاطة والتدخـل الخارجـي، في حلهـا أو احتـواء تداعيـاتها الداخليـة والإقليميـة والدوليـة، ممـا يثيـر تسـاؤلات عميـقة بشـأن استمـرارهـا والعجـز عن الوصـول إلى تسـوية ناجحـة وفعـالة لإنهـاء الأزمـة( ).
على ضـوء هـذه التعقيـدات المتشـابكة التي تحيـط بالأزمـة الصـوماليـة، لا يمكننـا الحـديث عـن دول الجـوار وطبيعـة دورهـا الراهـن في الصـومال، دون العـودة إلى التاريـخ لسبـر غـور التأثيـر العميـق للقـوى الدوليـة الكبـرى في تشكيـل الأوضـاع والحـدود السياسيـة في منطقـة القـرن الإفريـقي، وفق مصالحهـا الاستـرايجيـة مثيـرة بذلـك لكثيـر من التناقضـات العرقيـة والجهـوية والنـزاعات السيـاسية داخـل كـل دولـة ومـع جيـرانها، ولعـل تسلـسل الأحـداث وزمـانها يكـون أقـوى دليـل على هـذه الحقيقـة التاريخيـة.
وهـذا ما يدفعنـا إلى إلقـاء نظـرة سـريعة على تلك الأحـداث وملابسـاتها للوقـوف على دور القـوى الدوليـة وتأثيـراتها البالغـة في الأزمـة الصـومالية وتطـور الأحـداث في المنطقـة بشـكل عـام.
ثالثـاً: طبيـعة الاهتمـام الدولي الراهـن بالصـومال:
كمـا سبقـت الإشـارة، فإن الاهتمـام الدولـي بالصـومال ليـس جـديداً، بل إن جـذوره التاريخيـة تعـود إلى حقبـة الاستعمـار الأوروبـي للقـارة الإفريقيـة قبـل قرنيـن من الزمـن، حيـث كاتـت الصـومال محـل تنافـس بيـن البرتغـال وبريطـانيا وإيطاليـا وفرنسـا وذلك لاعتبـارات تاريخيـة وسيـاسية واقتصـادية تتميـز بهـا الصـومال( ).
بيـد أن هنـاك عـوامل عـديدة سـاهمت بشكـل كبيـر في تصـاعد الاهتمـام الدولـي بالصـومال حاليـاً، وتبـرز تلك العـومل على النحـو الآتي:
 انهيـار أجهـزة الدولـة في الصـومال: فقـد كشفـت تداعيـات مشكلـة غيـاب الدولـة الصـومالية، خطـورة فشـل دولـة ما، وما يمكـن أن يعـود ذلك الفشـل من أضـرار وعـواقب وخيمـة على مناطـق واسعـة من العـالم، وفي المحصلـة النهـائية على مجمـل الأمـن والمصـالح الدوليـة في الاقتصـاد والتجـارة( ).
 الموقـع الجغـرافي للصـومال: تكتسـب الصـومال أهميـة خاصـة في الاستـراتيجيـات الدوليـة، نظـراً لموقـعها المتميـز الذي يجعلهـا تتحكـم على أهـم طـرق المـلاحة الرئيسيـة في خليـج عـدن والمحيـط الهنـدي ومنطقـة البحـر الأحمـر.
 الموارد الطبيعيـة والاقتصـادية للصـومال: لا تقتصـر أهميـة الصـومال على اعتبـارات الموقـع الجغـرافي فحـسب، وإنمـا تتعـداها للاعتبـارات الاقتصـادية خاصـة بعـد معـرفة طبيـعة مـواردها الاقتصـادية وطاقاتهـا الماديـة والبشـرية وقـدراتها الكامنـة على النمـو والتطـور، ممـا زاد الاهتمـام العالمـي بهـا، وثمة أبعـاد جـديدة للتنافـس الدولـي، حيـث دخلـت قـوى دوليـة جـديدة كانـت تعتبـر بعيـدة عن محـاور الصـراع الدولـي المباشـر على المـوارد، مثـل الصيـن وإيـران وتركيـا وغيـرها.
 التعقيـدات المحيطـة بالوضـع الصـومالي: تشكـل المشـاكل المحيطـة بالوضـع الصـومالي المثمثلـة بطبيعـة نظامهـا السيـاسي والاجتمـاعي وحـدودوها الجغـرافية والإداريـة ونـزاعاتها المحليـة والإقليميـة والدوليـة، ظهـور وتصـاعد دور التنظيمـات الإسـلامية “المتطـرفة( )” واعتبـار ذلك مهـدداً أمنيـاً بارتبـاطه فيمـا صـار يعـرف “بالحـرب الدوليـة على الإرهـاب”، فضـلاً عن تنـامي ظاهـرة القرصنـة قبـالة السـواحل الصـومالية، وما تمثلهـا من تهـديد خطيـرة بالنسبـة للأمـن الإقليمـي والاقتصـاد الدولـي ومؤشـرات الأسـواق الماليـة العالميـة، وتعـد هـذه المشاكـل ضمـن الأسبـاب الرئيسيـة التي تؤثـر سلبـاً على عـوامل الاستقـرار السيـاسي والأمنـي داخـل الصـومال ومحيطهـا، وهـو الأمـر الذي يجعـل منهـا محـط الاهتمـام الدولـي، ومجـالاً حيـوياً للتنافـس والصـراع من أجـل الهيمنـة والنفـوذ( ).
نخلـص ممـا تقـدم، بأن كثـرة المشـاكل وتعقيـداتها المحيطـة بالصـومال، قـد سلطـت الضـوء بشكـل أكثـر سطـوعاً، على ضـرورة الاهتمـام بهـا وادماجهـا في فضـاءات الاستـراتيجيات الدوليـة، وهـذا ما يبـدو جليـاً من خـلال تصـاعد الاهتمـام العالمـي الراهـن بالصـومال من أجـل إيجـاد حلـول للوضـع المتـأزم فيهـا منـذ أكثـر من عقـدين.

قضايا ساخنة

هل تستمر الدوحة في التأثير على الانتخابات الصومالية بالمال السياسي؟

المرشح البغدادي في حديث خاص للصومال الجديد

بعد أربع سنوات من الدور السلبي في الصومال: قطر تحاول تلميع صورتها

خطاب الرئيس دني .. مخاوف وأسرار

الاتفاقيات حول النفط الصومالي .. تقض مضاجع الخبراء في الصومال