أخر الأخبار

   

رسالة إلى البرزخ

شارك المقال

صحفي وناقد اجتماعي

محمد عبدالله أبوبكر (طالي) / صحفي وناقد اجتماعي

إنه يوم من عام 1997، والساعة تشير إلى الثانية عشر طهرا. المكان هو مستشفي كيتسني الواقع شرقي العاصمة مقديشو.

ترقد على سرير في إحدى قاعة هذا المستشفى امرأة في العقد الثاني من عمرها. هي مصابة بجروح جراء إطلاق رجل مسلح النار على سيارة كان معظم ركابها نسوة من سكان مقديشو. هن نساء خرجن في الصباح الباكر من بيوتهن قاصدات الى محلات العمل لهن بحثا عن لقمة العيش لأنفسهن ولأولادهن؛ حتى لا يقعوا ضيحة للمجاعة والأوضاع المعيشية السيئة التي كانت تسود أجواء العاصمة ومعظم أقاليم البلاد في ذلك الزمن الذي كانت فيه المليشيات القبلية تتحارب في أوساط المدنيين.

عودة الى قصة هذه المسكينة الراقدة على إحدى سرائر مستشفي كيتسني، فهي أم لولدين وبنت أكبرهم هو في السابعة من عمره، واصغرهم هو صاحب 5 أشهر. أطلق رجل مسلح طلقات نارية على سيارة كان من ضمن ركابها هذه السيدة المصابة، ووحدها أصيبت بجروح دون أية ضحية أخرى لتلك الجريمة.

كانت السيدة تتلقى الدواء في داخل هذ المستشفى لمدة يومين. هي على السرير، وذووها يجلسون حولها ليطمئنوا على حالها. يتكلم كل من ذويها لها بلطف، وهي تنطق بصوت ضعيف؛ كأنها تلفظ آخر كلماتها مستعدة للرحيل من هذا الكون الذي يديره المجرم الغاشم ولا مجال فيه للعدل. ترحل من هذا الكون الذي صار قتل النساء أسهل طريقة لكسب العيش بالنسبة للظالمين الذين حملوا السلاح لارتكاب كل ما يحلو لهم من جرائم. ترحل من هذا الكون تاركة وراءها أطفالها الثلاثة، ولا تدري من يعول عليهم بعد رحيلها.

تجعل آخر كلمات لها رسالة إلى ابنها البكر صاحب الـ7 سنوات من العمر لتضع على عاتقه مسؤولية حماية أخيه وأخته الصغيرين طيلة بقائه في الكون بعد وفاتها.

تقول الأم والموت في انتطارها “يا محمد… يا محمد.. يا محمد.. احم فرحية وأعطها الرعاية الكافية نيابة عني. يا محمد لا تدع اختك تتضرر طالما أنت حي. يا محمد لا تسبب لها أي أذى أو مشكلة. كن عنها مدافعا.كن لها معينا. كن لها مساعدا”.

هكذا كانت رسالة الأم الى ابنها ذي الـ7 الأعوام. فارقتها الحياة في تلك العشية ليمرَ بعدها الوقت مرورا سريعا حتى كبر أطفالها. بلغ محمد 25 عاما، وتخرج من الجامعة ليعمل وليتزوج، وهو الآن أب يرعى أطفالا.

أما فرحية، فهي الأن في احدى أيامها التاريخية، وحصلت على شهادة بكالوريو قبل أسابيع بعد سنوات من الجهد والتعليم.

درست فرحية مراحلها الابتدائية والثانوية بشكل منتظم ثم التحقت بالجامعة لتقضي أربع سنوات في دراسة كلية الأدب والعلوم الانسانية في جامعة مقديشو، وها هي اليوم تحتفل مع زملائها في المسيرة التعليمية بمناسبة تخرجهم مستعدين لفتح صفحات جديدة، مستعدة لأن يكتب لها سلسلة من النجاحات في المستقبل المنظور.

هي فرحية عبدالله طالي قد وصلت إلى جزء مما كانت تحلم به أمها عندما كانت على سرير الموت، وكانت تقدم الوصية إلى أخيها محمد عبد الله طالي. بالفعل تم انجاز هذا النجاح بواسطة مجهود بذله الاثنان بعون أبيهما وبعون جدتهما (أم الأب) وبعون كل من حمل مسؤولية رعايتهما بعد وفاة أمهما. ولو كانت الرسالة تدهب الى البرزخ لأرسلنا اليوم ردَا على رسالة أمنا التي كانت متجهة إلى محمد، ذلك الابن ذي الـ 7 الأعوام والذي خاطبت معه أمه كأنه رجل كبير يطيق علي حمل مسؤولية رعاية أخته الصغرى منه عامين، وفي حين كانت الأم تستعد لتلبية دعوة ملك الموت.

ولو كانت الرسالة تدهب الى البرزخ لأرسلنا إلى أمنا وفي ضريحها أفضل رسالة بالنسبة لنا قائلين لها “يا أماه. كنت بعيدة عنا أعواما كثيرة. لكن أمنياتك التي تركتها قبل أن تجعلها حقيقة كانت تتجسد في روحك لتطل علينا أينما ما نسري، ونردد من وراءنا كلمات تشجيع؛ حتى وصلنا اليوم إلى احدى محطات النجاح. فبشرى لك بتخرج طفلتك الصغيرة التي كنت حزينة على تركها. هي طفلتك التي حبها في قلبك انساك ألم الجروح يوم كنت تلفظ آخر كلماتك قبل الوفاة لتتكلم عن شأن هذه الطفلة دون أن تتكلم عن ممتلكاتك التي صارت لاشي مقارنة باهتمامك بهذه الطفلة. انها طفلتك فرحية التي نجحت بنفس النجاح الذي كنت تتمنين لها. هي فرحية ومعها ابنك البكر محمد الذي حقق هو الأخر نفس النجاح التعليمي قبل عام. والإثنان معا يؤكدان لك بأنهما نشآ وكبرا بعيدين عن رعاية أمهما، لكنهما سلكا غير طريق أمثالهما من الأطفال الذين فقدوا أمهاتهم أو آباءهم. سلكا طريق التعليم والتقدم وهما يتمتعان بمعنويات جيدة مما ساعدهما على أن يبقى اسمهما في مقدمة لوائح المتفوقين في كل حلقة علمية شاركا فيها مند صغرهما.

print

أحداث مرتبطة

6 تعليقات علي// رسالة إلى البرزخ

  1. بشير نور علي // September 7, 2015 at 8:32 am // Reply

    ماشاء الله الله يرضى عليك
    ورحمة الله على الأم

  2. عبد العزيز مالن // September 7, 2015 at 7:53 pm // Reply

    رحمة الله عليها رحمة واسعة هذه الأم التي لا نظير لها، وحققت في منامها(في البرزخ) مالم تحققه باقي الأمهات في حياتهن.فهى قد خلفت جيلا هم خير سند لخير خلف، فطوبى لك يا ماما أن تركت لنا بطل بكل معنى الكلمة محمد، ونابغة من نابغات الصوماليات فرحية،
    فجزاك الله عنا خيرا وأسكنك فصيح جناته
    اللهم امين

    • محمد عبدالله طالي // September 8, 2015 at 8:58 am // Reply

      اصدقائي الاعزاء، اشكركم على ما ابديتم لي من نوايا حسنة لمشاطرتي الشعور الخفية والمتعلقة بحياتي الشخصية. يشرفني أن اشارك معكم مثل هذه القصص والتي اعتقد بانها لا تنعكس فقط عن حياتي وحياة اسرتي بل تنعكس عن حياة المجتمع وعن المحيط البيئي الذي نعيش فيه. كم من اطفال فقدوا اباءهم او امهاتهم نتيجة الحروب والتوتر الامني الذي كان يجري في بلادنا مند أن ولدنا في أواخر القرن الماضي. عمت الأزمة كافة شرائح المجتمع، ومعانات احدنا هي معانات الأخرين. الشكر موصول إلى الأخ والزميل عبدالرزاق معاد وإلى الاستاد عبدالعزيز مالن وإلى الأستاذ بشير نور علي.

  3. عبدالرزاق معاذ // September 7, 2015 at 8:47 pm // Reply

    ﺭﺣﻤﻚ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺎ ﺍم محمد . ﻭﺍﺳﻜﻨﻚ ﺍﻟﻔﺮﺩﻭﺱ ﺍﻻﻋﻠﻰ

  4. سامي عزام ( أفجوي) // September 8, 2015 at 2:18 pm // Reply

    *للرحيل من هذا الكون الذي يديره المجرم الغاشم، ولا مجال فيه للعدل !!

    إذن من يدير الكون ؟ الله أم الظالمون ؟

    لو كان الكون بإدارة الظالمين لما تحرك أي شىء في الوجود

    من الأفضل أن تستخدم عبارة أخرى

    الكون أعظم وأكبر مما نتصور، أعظم من أرضنا الضئيل الذي يسبح بين مليارت الكواكب والنجوم في الفضاء الخارجي، فالكون عبارة عن كل شىء كائن، من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، من أصغر كوكب إلى أكبر نجم، من الأرض إلى السماوات
    فد يكون للإنسان سيطرة على كوكبنا الصغير هذا، لكن لا يمكن لأحد أن يدير هذا الكون العظيم إلا المولى الأعظم سبحانه وتعالى، يديره إدارة عادلة بعيدة عن الظلم والنقص، إدارة تقتضي بحكمته وعلمه سبحانه وتعالى

    مع احترامي للكاتب

    اللهم ارحمها رحمة واسعة

  5. عبد الله إبراهيم // September 8, 2015 at 5:03 pm // Reply

    الأخ سامي عزام ربما أراد كاتب المقال إطلاق الكل وإرادة البعض، وهو كثير في العربية، ولا ملامة عليه.

    شكرا جزيلا

اضف تعليقك هنا

لم يتم النشر البريد الإلكتروني الخاص بيك.

قضايا ساخنة

الصومال ينضم رسميا إلى منظمة الكومساتس العالمية

اسلام آباد – انضم الصومال رسميا إلى منظمة الكومساتس العالمية (منظمة العلوم والتكنولوجيا للتنمية المستدامة فى الجنوب) التي تتخذ من العاصمة الباكتسانية إسلام آباد مقرا لها. ووفقا لموقع غوب جوغ الصومالي

الصومال يطلب من الأمم المتحدة الدعم في إحياء القطاع السياحي

مسقط – طلبت الحكومة الفيدرالية الصومالية من الأمم المتحدة الدعم في إحياء وتطوير القطاع السياحي في الصومال بعد قرابة ثلاثة عقود من انهيار هذا القطاع. جاء ذلك في لقاء أجراه وزير

مفاوضات لانضمام الصومال إلى الكوميسا

كشف سنديسو نجوانيا، سكرتير عام منظمة السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا (الكوميسا)، عن مفاوضات جارية بين منظمة الكوميسا وعدد من الدول الإفريقية للانضمام للمنظمة التجارية خلال الأشهر المقبلة، وفى مقدمتها دولة

advertisement